السيد محمد تقي المدرسي

27

فقه الدستور وأحكام الدولة الإسلامية

ثم أمره بان يرفع منزلة القاضي بين خاصته إلى أن يكون أرفعهم منزلة ، حتى لايغتال الرجال شخصيته عنده ( بوشاية أو سعاية ) ثم أمره بأن ينظر إلى ذلك نظراً بليغاً ، ويسعى من أجل ذلك سعياً جدياً ، لان هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار حيث كانوا يتبعون من خلاله أهواءَهم ويطلبون باسمه الدنيا . بهذه الوصايا الوجيزة والبليغة أوسع الإمام علي ( عليه السلام ) علم القضاء حكمةً ، فقال سلام الله عليه : ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ ، وَلا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ « 1 » ، وَلا يَتَمَادَى « 2 » فِي الزَّلَّةِ « 3 » وَلا يَحْصَرُ « 4 » مِنَ الْفَيْءِ « 5 » إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ ، وَلا تُشْرِفُ نَفْسُهُ « 6 » عَلَى طَمَعٍ ، وَلا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ « 7 » ؛ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ « 8 » ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً « 9 » بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأُمُورِ ، وَأَصْرَمَهُمْ « 10 » عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ « 11 » ، وَلا يَسْتَمِيلُهُ

--> ( 1 ) - تمحّكه الخصوم : تجعله ما حقاً لجوجاً ، يقال : مَحَك الرجل - كمنَعَ - إذا لجّ في الخصومة ، وأصرّ على رأيه . ( 2 ) - يتمادى : يستمر ويسترسل . ( 3 ) - الزَلّة - بالفتح - : السقطة في الخطأ . ( 4 ) - لا يَحْصر : لا يعيا في المنطق . ( 5 ) - الفيء : الرجوع إلى الحق . ( 6 ) - لا تشرف نفسه : لاتطلع . والاشراف على الشيء : الاطلاع عليه من فوق . ( 7 ) - أدنى فهم وأقصاه : أقربه وأبعده . ( 8 ) - الشبهات : ما لا يتضح الحكم فيه بالنصّ ، وفيها ينبغي التوقف عن القضاء حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح . ( 9 ) - التبرم : الملل والضجر . ( 10 ) - أصرمهم : أقطعهم للخصومة وأمضاهم . ( 11 ) - لا يزدهيه إطراء : لا يستخفه زيادة الثناء عليه .